قد تكون المملكة على مسار الانتقال من التركيز على إدارة الصراع نحو العمل على حلّه، مُستفيدةً من أدوات الضغط الأوروبية.
مروان المعشّر
{
"authors": [
"ناتاشا دانون"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"collections": [
"برقيات"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"سورية",
"المشرق العربي"
]
}المصدر: Getty
تبرز مجالس الصلح في مختلف أنحاء البلاد للتوسّط في النزاعات داخل المجتمعات المحلية التي يعود الكثير منها إلى سنوات الحرب.
باتت العدالة الانتقالية تتحوّل سريعًا إلى مجرّد كلمة رنّانة وجوفاء في المشهد السياسي السوري في مرحلة ما بعد الأسد. فباستثناء عددٍ قليل من المحاكمات التي حظيت بتغطيةٍ إعلامية واسعة، لم يُحاسب بعد معظم المتوّرطين في أسوأ الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد نظام الأسد السابق، بعدما فرّوا إلى الخارج أو حصلوا على حصانة مؤقتة من الحكومة الانتقالية. وفيما يواصل المعلّقون والفاعلون في المجتمع المدني مناقشة مدى قابلية تطبيق النموذَجين الرواندي والجنوب أفريقي في سورية، اندلعت احتجاجات وأعمال شغب، اتّخذت طابعًا طائفيًا في بعض الأحيان، مطالبةً بتحقيق المساءلة والمحاسبة ومهدّدةً بتقويض العملية الانتقالية الهشّة في مرحلة ما بعد الصراع.
لكن الغالبية العظمى من الجناة ليسوا من كبار مجرمي الحرب؛ بل هم أفرادٌ من داخل المجتمعات المحلية، من بينهم مخبرون أبلغوا الأجهزة الاستخباراتية عن جيرانهم، أو حتى عن أفراد من أُسرهم. وثمة آخرون استولوا على ممتلكات صودِرت لأسباب سياسية، أو شغلوها بعد أن وضعها نازحون من مجتمعهم المحلي في عهدتهم. كذلك، استغلّ عددٌ منهم غياب جيرانهم النازحين لإعادة بناء مبانٍ سكنية بأكملها. ومع عودة ملايين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، تجد المجتمعات المحلية نفسها مضطرةً إلى التعامل مع بعضها البعض بعد سنوات من العيش متباعدة.
في هذا السياق، بدأت مجالس الصلح تنتشر الآن في شتّى أنحاء البلاد، لتولّي الوساطة في النزاعات داخل المجتمعات المحلية، التي يُعدّ الكثير منها من تداعيات الصراع. وتبرز هذه المجالس بشكلٍ خاص في المناطق القبلية، حيث يضطلع الوجهاء المحليون بدور الوسطاء، مع العلم بأن بعضها شبه رسمي ويخضع لإشراف الدولة، والبعض الآخر غير رسمي. وتعتمد هذه المجالس على مزيجٍ من الشريعة الإسلامية والعُرف القبلي وبعض أحكام القانون التشريعي، وتعمل في مساحة تتقاطع فيها الوساطة المحلية غير الرسمية مع السلطة الرسمية للدولة. لكن تزايد الاعتماد على الشريعة الإسلامية في حلّ النزاعات - وهو ما يتم الآن تحت مظلة الدولة – يثير مخاوف البعض من تجاوز الطبيعة العلمانية للنظام القضائي وتقويض دوره بشكل متزايد.
تعود جذور مجالس الصلح إلى الأيام الأولى للصراع السوري. ففي المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، برزت مجالس قبلية وعشائرية – ضمّت في الكثير من الأحيان مجالس شورى - لسدّ الفراغ الذي خلّفته الدولة، وركّزت على تقديم الخدمات والوساطة المجتمعية. وفي الجيب المحاصَر من محافظة إدلب، أدّى تدفّق النازحين إلى تراكم عددٍ كبير من القضايا التي لم تتمكّن المحاكم المحلية من البتّ فيها. ولمواجهة الضغط على الجهاز القضائي، أسّست حكومة الإنقاذ السورية التابعة لهيئة تحرير الشام مجلس القبائل والعشائر. وأنشأ هذا المجلس بدوره في العام 2019 مجلس الصلح العام لمعالجة القضايا في المناطق الحضرية والريفية على حدّ سواء، متجاوزًا بذلك نطاق عمله الأساسي المتمثّل في معالجة القضايا القبلية.
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أُنشئت مجالس صلح على مستوى المحافظات ولجان على مستوى القرى في جميع أنحاء سورية، للتعامل مع تداعيات الحرب على المستوى المحلي. وتضمّ هذه المجالس أكثر من 7 آلاف متطوّع في شتّى أنحاء سورية، باستثناء مجلس الصلح العام، وهو الكيان الجامع المتّخذ من إدلب مقرًا له، الذي يتقاضى العاملون فيه رواتب من الحكومة. واليوم، تتولّى مجالس الصلح على مستوى المحافظات واللجان على مستوى القرى معالجة قضايا عدّة، بدءًا من المطالبات المتعلّقة بالممتلكات والمسائل المالية، ووصولًا إلى شؤون الأحوال الشخصية وقضايا الدم. الأهم من ذلك أنها لا تنظر في القضايا المتعلّقة بالأمن أو بـ"الحدود"، أي العقوبات المفروضة على الجرائم الكبرى وفقًا للشريعة الإسلامية.
في النظام الذي أعقب حكم الأسد، تبرز مجالس الصلح كبديلٍ قابل للتطبيق عن النظام القضائي الرسمي، الذي لا يزال مُنهكًا. فالجهاز القضائي في سورية مثقلٌ بالأعباء إلى حدٍّ كبير ويواجه نقصًا حادًا في الكوادر، بينما تقوّضت شرعيته بسبب الفساد المتجذّر. وقد أدّى قيام الحكومة الانتقالية بإقالة مئات القضاة المرتبطين بالنظام السابق إلى إحداث نقص في الكوادر القضائية، على الرغم من أن المسؤولين سارعوا إلى تعيين قضاة جدد. كذلك، لم يتم حتى الآن إعادة تأهيل الكثير من المباني القضائية، فضلًا عن تَلَف الكثير من سجلات المحاكم أو فقدانها.
تنظر في القضايا المعروضة أمام مجالس الصلح شبه الرسمية عادةً لجنةٌ مؤلّفة من ثلاثة محكّمين - شيخ ديني وشخصَين يُفترض أن يمتلكا الخبرة القانونية اللازمة. مع ذلك، يُعرب العاملون في المجال القانوني عن مخاوف جدية بشأن مؤهلات أعضاء هذه اللجان. وفقًا لدعاء الخضر، وهي محامية من الرقة لجأ بعض موكّليها إلى مجلس الصلح المحلي، إن هؤلاء الأفراد يفتقرون إلى الخبرة القانونية، ولا وجود لأي قضاة ومحامين.
وتوضّح قائلةً: "في الرقة، يفتقر هؤلاء الوسطاء إلى فهم القانون، ولا سيما ما يتعلّق بنزاعات الملكية، ويتصرّفون في الكثير من الأحيان على عجل، ما يتسبّب بفقدان عددٍ من المدّعين لبعض حقوقهم بحجة تسريع الإجراءات". وتضيف الخضر: "لو حظيت هذه المجالس بتمثيل قانوني رسمي أكبر، لكان طابعها الإسلامي أقلّ بروزًا". وبالرغم من أن قانون الأحوال الشخصية في سورية يستمدّ أحكامه من الشريعة الإسلامية، ولا سيما في ما يتعلّق بالزواج والطلاق والميراث، يتّسم القانون السوري بطابع مدني في المقام الأول.
علاوةً على ذلك، لا يزال التمثيل غير متكافئ بين الجنسين. ففي الرقة، لا وجود للنساء بين الوسطاء في اللجان، على الرغم من أن المسؤولين يؤكّدون وجود وسيطات في مناطق أخرى من البلاد. وتلفت الخضر إلى أن "قضايا النساء تنطوي على حساسيات خاصة بها. فقد تشعر المدَّعِيات بالحرج من مناقشة بعض المسائل أمام الرجال، مثل تلك المتعلّقة بالتحرّش والاعتداء الجنسيَين".
وعلى الرغم من أوجه القصور المتصوّرة، تلقى هذه المجالس إقبالًا كبيرًا، بفضل سرعة إجراءاتها وسهولة الوصول إليها. ويقول محمد خطاب، رئيس ديوان مجلس الصلح العام إن "المحاكم [الرسمية] ضعيفة وتستغرق إجراءاتها وقتًا طويلًا، في حين أن مجالس الصلح أكثر كفاءة". فمعظم القضايا تستغرق ثلاثة أيام، وتبلغ المدّة القصوى عمومًا شهرًا واحدًا. وفي بلدٍ يعيش فيه 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر، توفّر مجالس الصلح ميزةً أساسية أخرى هي أنها تتيح تسوية النزاعات مجانًا، على عكس النظام القضائي.
يؤكّد خالد الحاج، رئيس ديوان مجلس الصلح العام في الرقة، الذي أُنشئ بعد انسحاب قوات سورية الديمقراطية التي يطغى عليها الأكراد في وقت سابق من هذا العام، أن المشاركة طوعية، قائلًا: "ينضمّ الطرفان إلى العملية بموافقتهما المتبادلة، ولا تُعتمد التسوية إلا بتوافقهما. وإذا رفض أحدهما التسوية المقترحة، تُحال القضية إلى القضاء". في الرقة، تَعامل المجلس منذ تأسيسه مع قضايا تتعلّق في معظمها بنزاعات مالية، تليها المشاجرات، ثم النزاعات على الممتلكات، وقضايا الأحوال المدنية، وجرائم القتل. ولم يُحَل إلى القضاء سوى عدد قليل من القضايا – أي 16 قضية من أصل 432 قضية - بسبب تعذّر التوصّل إلى تسوية بالتراضي بين الطرفَين.
وعلى الرغم من أن مجالس الصلح هذه لا تتمتّع بأي صفة رسمية، نظرًا إلى عدم استنادها إلى أساسٍ قانوني لها حتى الآن، إلا أنها تنسّق عملها مباشرةً مع المحاكم. فإذا توصّل طرفان إلى تسوية مالية عبر أحد هذه المجالس ثمّ أخّل أحدهما بالتزاماته المالية، يمكن للمحكمة أن تؤيّد قرار المجلس. وبالتالي، تكتسب قرارات هذه المجالس شبه الرسمية بالفعل مكانةً قانونية بحكم الأمر الواقع.
خضعت الرقة، شأنها شأن مناطق واسعة أخرى في سورية، لسيطرة جماعات مسلحة بصورة متعاقبة، ما أثّر سلبًا على المجتمعات المحلية التي كانت تلك الجماعات جزءًا منها. ويقول الحاج: "تفاقمت الانقسامات الاجتماعية مع كل طرف حَكم الرقة". فقد خضعت المحافظة بشكل غير منتظم لسيطرة الجيش السوري الحر، وحركة أحرار الشام، وجبهة النصرة (التي تحوّلت لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام)، وتنظيم الدولة الإسلامية، وقوات سورية الديمقراطية. ويشير الحاج إلى أن "دورنا يتمثّل في تهدئة التوتّرات لا حلّها. ففي النهاية، لا نقدّم نحن سوى حلّ مؤقت؛ نحن نعالج القضايا إلى حين إرساء إطار قانوني للعدالة الانتقالية". وفي انتظار صدور مثل هذا التشريع، تعمل لجان الصلح على كسب الوقت، وربما إنقاذ الأرواح في مواجهة احتمال وشيك لوقوع عمليات قتل جماعية بدافع الانتقام.
في الوقت الراهن، يقوم مجلس الصلح في الرقة بإحالة القضايا المتعلّقة بالإخفاء القسري وجرائم الحرب الأخرى التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية وقوات سورية الديمقراطية إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وكانت الحكومة قد أنشأت هذه الهيئة في العام 2025، لكنها تتمتّع باستقلالية شكلية في اتّخاذ قراراتها. وتعمل حاليًا على صياغة مشروع قانون تمهيدًا للتصويت عليه في مجلس الشعب.
ومن شأن إرساء إطار للعدالة الانتقالية أن يعزّز قدرة مجالس الصلح على الاضطلاع بدور الوساطة المجتمعية. ويقول الحاج: "يمكن لمجالس الصلح أن تسهم في تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات الحوار بين المجتمعات المتضرّرة، وتسوية بعض النزاعات المحلية، والمساعدة على إعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع". وتسعى هذه المجالس راهنًا إلى الحصول على اعتراف قانوني من البرلمان، ومن المقرّر دمجها في إطار العدالة الانتقالية المرتقب أن تعتمده الحكومة السورية.
يمكن لمجالس الصلح المحلية أن توفّر مسارًا نحو تحقيق العدالة في بلدٍ يشهد عددًا هائلًا من النزاعات المرتبطة بفترة الحرب، والتي يتجاوز الكثير منها جرائم الحرب. ومع ذلك، يطرح دمج هذه المجالس في مؤسسات الدولة معضلة، إذ إن سورية تمتلك موارد محدودة، ولا يمكنها تحمّل كلفة توظيف آلاف الموظفين الجدد. وفي حين أن الوساطة المجتمعية يمكن أن تعزّز الحوار المجتمعي، وتساعد على تسوية الخلافات بالتراضي، فإن الاعتماد على مجالس تفتقر إلى الخبرة القانونية الرسمية ينطوي أيضًا على خطر ترسيخ الفقه الإسلامي على حساب القانون المدني. وإذا أعطت الحكومة الأولوية لمجالس الصلح على حساب إعادة تأهيل المحاكم الرسمية، قد يتسبّب ذلك بتقويض الطابع العلماني للنظام القضائي وترسيخ الوساطة القائمة على أُسُس دينية باعتبارها النموذج القانوني السائد في سورية بعد الحرب.
* جرت الاستعانة بنموذج لغوي قائم على الذكاء الاصطناعي أثناء ترجمة هذا المقال، وخضعت الترجمة لتحرير وتدقيق شاملَين من فريق التحرير في مركز كارنيغي.
ناتاشا دانون
ناتاشا دانون هي صحافية وباحثة متخصّصة في الشؤون السورية.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
قد تكون المملكة على مسار الانتقال من التركيز على إدارة الصراع نحو العمل على حلّه، مُستفيدةً من أدوات الضغط الأوروبية.
مروان المعشّر
مع انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، سيصبح الأكراد أكثر اعتمادًا على بغداد وعلى أنفسهم.
فلاديمير فان ويلغنبرغ
يواجه هدف حكومة الزيدي عقبات بسبب الصراع الإقليمي، لكن بإمكانها اتّخاذ بعض الإجراءات في هذا الصدد.
علي المولوي
يحلّل صهيب جوهر، في مقابلةٍ معه، التحوّلات العميقة التي طرأت على الروابط بين البلدَين الجارَين.
مايكل يونغ
من شأن أي تحرّك أميركي لتنفيذ اقتراح ترامب، القاضي بأن تقنع واشنطن دمشق بخوض مواجهة عسكرية مع حزب الله، أن يؤدّي إلى عواقب كارثية.
خضر خضّور